وأخيراً ...
يطلقها البعض بارتياح، والبعض الآخر بفرح، والبعض الآخر بامتعاض، لكن الكل مصرّ
أن مرحلة ما مرت بسلام. أن يوماً مر بسلام.
التحضيرات أخذت أياماً وأسابيع إن لم يكن أشهر. الكل انتظر، وكما جعلت الإنتظار جزءاً من كتاباتي، لم أشأ أن يغيب الحدث عنها وعنكم.
غصت الضاحية بالمدعوين، واهتزت الأرجاء بـ"نصرك هز الدني". ولا تزال بعض
السيارات المتحمسة تجوب شوارع بيروت حتى الآن، بعد ساعات على انتهاء المهرجان. تكلم السيد حسن نصر الله. ظهر فجأة بين الجماهير بعباءة سوداء ووجه طالما انتظره الناس. نادت أختي: "تعوا شوفوا السيد." فأسرعنا جميعاً إلى غرفة الجلوس...
نظرت جيداً إليه، أتأكد
أنه هو، هو نفسه. أتى بشحمه ولحمه رغم كل التشكيكات. أتى وأتت الجماهير تهتف
"لبيك يا نصر الله."
أخي الصغير تحمس كثيراً لرؤية الجموع، فأراد الذهاب إلى هناك. قالت له أمي أننا لن
نذهب لأن الإزدحام شديد. سبب جيد لإقناع فتىً متحمس لم يزل في السابعة من عمره،
بعيداً عن المذهبيات والمتاهات السياسية. أتى بعد قليل بورقة لوّنها باللون الأصفر وكتب
عليها حزب الله بالأخضر.
لا يلام أخي الصغير في تحمسه. أيام الحرب والحصار تعطي المقاومة معنىً يفرح به كل
صغير وكبير. معنىً أكبر من الواجب وموضعاً في القلب إسمه الأمل.
والآن، كل هذه الجموع الغفيرة والأعلام ... كل شيء يقول أنه أسطورة. المنظر والجو. الحضور.
قد يظن من يرى المشهد لأول مرة أن لبنان كله هنا، لكن كل مدرك للوضع اللبناني
يعرف أن لبنان نصفه فقط هنا.
النصف الآخر للبنان، نصف 14 آذار، كان اليوم ساكتاً. اليوم، لا حدث سيغطي
على الحدث، ولا كلام سيلهي عن كلام "السيد".
لبنان نصفه فقط هنا. غياب فاضح لأي تمثيل لرئاسة الحكومة. وكلام لنصر الله، خرج من
بين الثنايا، ليصبح أكثر صراحة. يقول تحملنا كثيراً وغضضنا النظر كثيراً، والآن ما عاد
بإمكاننا السكوت. يطلب من هذا اعتذاراً ويحذّر قادة القوات الدولية، ويلوم قيادة الجيش
واصفاً الجيش حالياً بمجرد عداد للخروقات الإسرائيلية. يقول لو استمر الوضع على حاله
طويلاً لن نظل هكذا. يتمسك بسلاح المقاومة، ويتمنى الشهادة.
لا ينسى نصر الله في خطابه أحد. يعرف أن الكل يسمعه أصدقاء ومحبين وأعداء ومحايدين.
فهذه رسالة للزعماء العرب، وهذه لأهالي الشهداء، وهذه لمن اجتمعوا في المكان الفلاني
وأصدروا ذاك البيان، وهذه لمن نعت جمهور المقاومة بالجماهير التي لا تفكر، وهذه للمرأة
التي وقفت على التلفاز وقالت أن بيتها قد هدم، وهذه للأسرى، وهذه لبوش. يتوجه
لأهل المقاومة، ولأهل لبنان، ولأهل فلسطين لأهل العراق، وفي كل حديث رسالة ولهجة
ونظرة.
يعرف أن قدومه تحدٍ. يقبل التحدي ويأتي معلناً ذلك. يعلن الإنتصار، ويتحدث عن
هزائم العدو. يقول كل هذا والطائرات الإسرائيلية وطائرات الإستطلاع لا تغادر المكان.
القلق أيضاً لم يغادر أحداً لحين ما ذهب "السيد" بسلام. كان الجميع يراقبون كل حركة
من حركاته وحركات مرافقيه. هذا يعطيه ورقة فجأة. "لا بد أن شيئاً ما قد طرأ. هل
سينهي كلمته؟" لا يحصل شيء. تمر الدقائق وتمضي، لينتهي من ثم خطاب السيد. يودع
الجماهير، فتنصرف بعد يوم طويل، ووعد باسترداد مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وتحرير
الأسرى.
يقول "السيد": "بدأزمن الانتصارات وولى زمن الهزائم، كل عام وأنتم بخير وكل نصر
استراتيجي وأنتم بخير." فتنام الجماهير على كلماته، سنة وشيعة ومسيحيين ومسلمين،
بغض النظر راضين أم ساخطين، وتضيع على رهبة كلماته "كل عام" أخرى بمناسبة قدوم
رمضان غداً.
فكل عام وأنتم بخير
مريم عيتاني ـ الجزيرة توك ـ بيروت
|