اليوم تحل الذكرى الثالثة لوفاة "الختيار" الفلسطيني ياسر عرفات، وقد وجدت في هذا البروفايل النحوي التشخيص الواقعي لمرحلة رجل وشعب
ب «نحو» عرفات، قد يكون قواعده، وقد يكون اتجاهاً اليه، وقراءة «نحو» عرفات فيها كشف، وعزاء، فيها أفعال مقاربة، وأفعال متعدية، وأفعال لازمة، ولكن يبقى في المقام الأول، رغم ما باعد بين العرب في شخصه إلا أنه في حياته وفي مماته كان أبو عمار فعل مقاربة. وأفعال المقاربة غير افعال التباعد. حيث يرى النحاة، أنها أفعال ناقصة، كـ«قارب، وأوشك، وكاد..» والختيار عرفات رحمه الله، لم يكن فعلا لازما.. كان فعلاً متعدياً لمفعول مرة، ولمفعولين مرات أخرى لكن جوهره كان فعل مقاربة.
فالرجل كاد ان يكون رئيساً للدولة الفلسطينية المستقلة، أو كان على مشارف أن تكون له دولة، أوشكت دولته على الظهور إلى العلن.. كان رمزاً للكفاح الفلسطيني وتجسيداً له، إذ كان رمزاً يقترب من الحقيقة، ولكنه ايضاً مات رمزاً، لم يخرج من عالم الترميز إلى عالم الواقع، لم يتحول من حالة الرمز إلى حالة الحقيقة.. أو كاد.. ولكنه..
كان أبو عمار دائماً على وشك الموت، على شفا حفرة. إذ كنا نسمع ايام حصار بيروت، انه كان في بناية ما واشتعل فيها الحريق، لنعلم فيما بعد انه كاد ان يموت، لكنه ترك البناية قبل سويعات أو دقائق..
حاولت اسرائيل ان تغتاله اكثر من ثلاثين مرة، وكادت أن تقتله، وكادت هنا بمعنى أوشكت، ولكنها أيضاً تعني المكيدة والتآمر، وكادت هنا ايضاً من أفعال اسرائيل «الناقصة» ليس كما يرى النحاة، وانما كما ترى العامة، أفعال تنم عن «دقة نقص» كما يقولون.
قصة عرفات هي قصة افعال المقاربة.. «كاد أن..» كادت ان تكون له دولة في عام 2000، عندما قدم له إيهود باراك عرضا، اسماه الأميركيون بالعرض الذي لا يمكن رفضه، 92% من اراضي فلسطين، وحق الاسترجاع أو العودة، وبعض من القدس، التي كاد ان يدفن فيها لو قبل بالعرض المفترض، ولكن هذا العرض الاسطوري لم يتحقق، فلم يكن بوسع ابو عمار ان يوقع على هذا العرض الذي لم يمكنه من السيطرة على القدس، فدول الجوار التي غالباً ما قاربت أن تمنحه غطاءً سياسياً، تخلت عنه، وعاد أبو عمار وحول العرض إلى انتفاضة.. عسكر الانتفاضة ايضاً.. أو تعسكرت من بين يديه.. وعسكر في اللغة هو فعل مجرد رباعي، أي حروفه اصلية، ولم يكن مزيداً أو لفيفاً، فالمزيد ما اضيف إلى حروفه الأصلية حرف أو حرفان، كمزيد بثلاثة أحرف في «استورث» التي سنأتي على ذكرها في حينها..
أبو عمار ايضاً كان مسكوناً بتفاهم «واي» ريفرز الذي وقعه مع بنجامين نتنياهو في 23 اكتوبر عام 1998، وكلمة واي (WYE) لو عرفها النحاة من قبل لسهلت عليهم كثيرا في شرح حروف العلة لصغار العقول، فأحرف العلة ثلاثة، كما يقول النحاة، الألف، والواو، والياء.. ويمكن اعادة ترتيبها لتصبح بالضبط كلمة «واي» في واي ريفرز، وبالفعل كان في اتفاق واي ألف علة، وكاد أبو عمار ان يحقق فيه نصراً لولا خلو اجتماعاته من نبهاء المحامين، وهي علة أوسلو ايضاً..
حياته كانت دائماً أفعال مقاربة، إذ أوشك الرجل على الموت عندما سقطت طائرته في الصحراء الليبية.. كاد أن يموت في عام 1992 في ذاك الحادث.. ولكن القدر أمهله قليلاً ليدخل في عام 1993 في قصة السلطة الوطنية الفلسطينية، والسلطة مثلها مثل حياة أبي عمار، كانت غير مكتملة وأفعال ناقصة. اذ كانت مؤقتة، أو تقارب الاستقرار، تسمى بالإنجليزية (Provisional) ما بين بين، سلطة غير مكتملة.. تكاد أن تكون سلطة على غزة والضفة، أو تقارب الحكم الذاتي.. أو تكاد.
واستمر الحال على هذا المنوال، ففي عام 1996 انتخب ابو عمار رئيساً للسلطة الفلسطينية، وكانت كلمة الرئيس أيضاً غامضة ومؤقتة، اذ كان يسميه الفلسطينيون بالرئيس ويشير اليه الغرب بكلمة تشيرمان، وهو تعبير اقرب إلى رئيس مجلس ادارة الشركة منه إلى رئيس سلطة أو دولة.
لا حسم في الأمر، الجميع يتبنى هذا الغموض الخلاّق، الغموض التقريبي الذي يضعنا مرة اخرى في أفعال المقاربة، أوشك ان يكون رئيسا.
حتى في صباه، كاد عرفات ان يحارب في فلسطين عام 1948 عندما ترك الجامعة مع نفر من رفاقه وحمل سلاحه القديم إلى الجبهة، ولكن الجنود المصريين جردوه من سلاحه ومنعوه من نيل شرف الحرب. شهادة ميلاده ايضاً فيها مقاربة، فالبعض يقول ولد عرفات في مصر، والبعض يقول في القدس، في مصر هو رمز فلسطين ولكن اكثر من مفكر فلسطيني قال لي: إن «ابو عمار» كان دائماً متهماً بأنه مصري، حيث يتحدث لهجة القاهرة، ما بين بين، فلسطيني تقريباً ومصري تقريباً، ورمز اكثر من كونه حقيقة.. اقترب من جمال عبد الناصر في ثوريته وفي جنازته الحقيقية في القاهرة وفي رام الله، وكذلك الجنازات الرمزية في صيدا وفي عين الحلوة.. كاد أن يكون ناصر.. ونشرت محطات التلفزة صوره مع ناصر اكثر من مرة.. وكاد ان يكون السادات عندما حصل الرجل على جائزة نوبل للسلام، حصل عليها بعد ان وقع اتفاق أوسلو.. لم تكن الجائزة مقسومة على اثنين كما في حالة السادات ومناحم بيجين وانما كانت مقسومة على ثلاثة.. كاد.. وأوشك على ان يكون السادات، كاد أن يكون ناصر.. ولم يكن ايا منهما، كان فعل مقاربة.. وكان متصرفاً لا جامداً، ولكنه كان ناقص التصرف أحياناً..
وما بين موته وحياته أوشكت زوجته سهى على شق الصف الفلسطيني، عندما جاءت صرختها من باريس تتهم حفنة «المستورثين» المقبلين من داخل فلسطين على أنهم يريدون دفن ابو عمار حياً.. ولفتت انتباهي كلمة «المستورثين» هذه واختيارها الدقيق، فهي من الفعل «ورث» وهذا الاشتقاق الدقيق يشير إلى أن القادمين ليسوا بوارثين وانما يدعون الحق في الوراثة.. كادت السيدة سهى، أيضاً ان تفجر الوضع، وكاد أبو مازن ان يتراجع عن ركوب الطائرة المتوجهة الى باريس للاطمئنان على صحة الرمز..
وفي اشتقاق فعل التوريث، يبدو ان سهى شقت، ولم تشتق، أدخلتنا سهى في موضوع المستورثين، وفي عوالم اللغة بنفس الطريقة التي ادخلنا بها الصحاف في موضوع «العلوج».
كاد أبو عمار ان يدفن في القدس لولا فظاظة رجل قبيح يدعى شارون، رجل لم يرحم أبو عمار في حياته أو حتى في موته، ووضعنا الدكتور صائب عريقات في عالم افعال المقاربة، اللازم منها والذي لا يلزم، المتعدي لمفعول واحد والمتعدي لمفعولين، إذ قال ان الرئيس «سيدفن في رام الله الآن» وسينقل جثمانه إلى القدس حالما تتحسن الظروف وتتغير الأحوال حال قيام الدولة الفلسطينية.. إذ ربما يدفن ابو عمار في القدس تقريباً.. وربما الامر وشيك، وربما يطول، وما بين رام الله والقدس قصة المقاطعة وحروف النفي وحروف الحصار.
«الرئيس» أو من كاد أن يكون رئيساً، أمضى آخر أيامه في المقاطعة، وفي المقاطعة معنى المكان، وفيها معنى الفعل ايضاً الذي يعني الحصار والسجن، إذن في المقاطعة غموض وتقريب، تلميح لا تصريح، يوشك ان يشير إلى شيء حقيقي وربما يقارب الإشارة إلى نقيضه ايضاً.
مات الرجل في باريس، ومات فعل معتل، معتل الوسط، ويسمى أجوف، مات في المنفى بعد المقاطعة، وابو عمار لم يكن غريبا على حروف النفي، من لاءات الخرطوم إلى نفيه من الأردن إلى لبنان بعد احداث ايلول الاسود، ومن نفيه من لبنان إلى تونس عام 1982.. حروف علة وحروف نفي وافعال مقاربة، تلك كانت حياة عرفات، ويخيل إليّ ان مماته جاء هكذا ايضاً، فجل حديثنا عنه في لحظات الاحتضار كان عن الوعي وعدمه، وعن الغيبوبة، تلك الحالة التي يكون الوعي، والفعل «وعى» اساس فيها، وعى، كما يقول النحاة ليس فعلا معتلا وحسب، وانما هو من نوع محدد، غير مألوف من العلة، من باب اللفيف المفروق، لا أجوف ولا ناقص، هو بين المفروق والمقرون من الافعال المعتلة، كما حالنا بين أرض محررة وأرض محتلة.
علاقة أبو عمار بالدول العربية ايضاً كانت معتلة، وكبرت علتها بعد تأييده لصدام حسين حين غزا الكويت، ولكنها لم تكن سالمة قبل ذلك، وكانت افعال العرب مع الفلسطينيين في معظمها افعال مقاربة.. أوشكوا على فك حصاره، وقاربوا إلى دعمه وتأييده.. كادوا ان يحلوا مشاكله.. وكادوا هنا فيها معنى اقتربوا وفيها معنى المكيدة..
رغم كل هذا، رحم الله ابو عمار، فهو زعيم عظيم تقريبا، ورمز كبير تقريبا، ورجل دولة من الطراز الأول تقريبا، لحياته نحوها المحدد بجغرافية المكان واللغة، فحدود أبو عمار ومحدوديته كانت هي حدود اللغة والبشر ايضاً، لغة استفحل فيها الداء، واستفحل من المزيد الثلاثي من الأفعال ولا أريد أن أزيد.
فلحياة ابو عمار حدود كحدود اللغة، كان جامداً احياناً، وكان معتلاً في آخر حياته، وكان ناقصاً في بعض أفعاله، باعد بين العرب احيانا، لكن «ابو عمار» ـ رحمه الله، لم يكن فعل تباعد.. وانما رغم كل مشاكله كان فعل مقاربة بين العرب، ولكنه كان فعلاً معتلاً.
عن الشرق الأوسط: مأمون فندي
|